الرحلة
كتبهااشرف نبوي ، في 31 مايو 2009 الساعة: 10:23 ص
تململ في جلسته خلف عجلة القيادة ولهيب الشمس يلفحه عبر النافذة، تلفت يمينا ويسارًا يبحث عن مطعمه المفضل على بعد أمتار وجده كما هو بواجهته الأنيقة وديكوراته البحرية الرائعة،أوقف محرك السيارة، اتجه صوب المدخل، انتقى طاولةمنعزلة، جلس إليها والتقط قائمة الطعام، تفحصها بسرعة فقد كان يعرف بغيته، السمك المشوي والأرز، قلب صفحة الحساء، تسمرت عيناه فوق العبارة،أعاد قراءتها ووخز بصدره يتصاعد، انحدرت دمعة وهو يتذكر رفيق عمره الذي اختطفه الموت منه ومن شبابه، الحساء الحساء،كانت دائما أولى كلماته حين يستوي جالسًا ويبدأ في تفحص قائمة الطعام، قفزت إلى مخيلته الفتاة فارهة الطول التي كان صديقه دومًا يداعبها حين تهم بتسجيل طلباتهم، التفت يمينا ويسارًا فلمحها، تبسمت وهي تتجه صوبه، كلمات الترحيب المضادة أتبعتها بسؤال عن رفيقه وسبب غيابهما لفترة طويلة، اختنقت الكلمات بحلقه، اغرورقت عيناه، تأسفت وهي تغادر معتذرة، وضعت الطعام أمامه، شعر بغصة في حلقه وود لو يغادر، تراجع، الجوع يشتد عليه، ازدرد الطعام في غير تلذذ، هم بالمغادرة، لمحه عن بعد، تبادلا النظرات قبل أن يتجه صوبه مرحبًا، لم تتغير فيه غير تلك الخصلات البيضاء التي ظهرت علي فوديه،جلس إلىالطاولة، تساءل عن أخباره، وما الذي أتى به إلى هذا المطعم، رد في اقتضاب: لقد تعودت الحضور منذ زمن ولكنها الأيام وما تفعله بنا، كلما سنحت لي فرصة خلال الإجازة كنت أحضر ولكن انقطعت منذ فترة، وأنت؟، رد ضاحكا: أنا صاحب هذا المطعم،أشار إليه بالبقاء مستأذنا للحظات، سرح بخياله إلى السنين الخوالي، كيف كان صاحبه هذا؟، كيف كان طموحه وحزنه لمحدودية إمكاناته؟، كيف تشاركا يومًا في مشروع صغير أثناء دراستهما؟، وكيف فشل المشروع وخسرا كل ما لديهما؟،وتلك الفتاة الثرية التي كانت تلاحق صاحبه ربما تزوجها، ربما هي سبب ماهو فيه الآن، قطع تفكيره وصول صاحبه، بصخبه كالعادة، لم يتغير عن أيام شبابه سأله مازحا: أين وصلت؟، حاول كبت تساؤلاته التي ازدحم بها رأسه تبسم في خجل والأسئلة تلح برأسه،أردف صاحبه: ستكون ضيفي اليوم هل لديك مانع؟،حاول الاعتذار، قاطعه: لا فائدة ستبقي معي ولو لوقت الغروب،إنه منظر رائع من كافتيريا المطعم المطلة علي الشاطئ هيا بنا، أريد أن أعرف أخبارك،أين تعمل الآن؟، رد في فتور: لا أعمل لقد عدت بعد سفر وترحال وغربة استمرت عشر سنوات ومضى عام وأنا أبحث عن فرصة أستثمر خلالها أموالي، حين وصلا للجهة الأخرى، عاجله بقوله: هل تذكر تلك الفتاة التي، لم يكمل ضحك بصوت عال نعم إنها الآن زوجتي وأم أولادي، الفتاة التي كنت علىعلاقة بها أيام دراستنا، تزوجت ونحن لانزال بالجامعة، لعنت الظروف التي جعلتني عاجزا عن حماية حبي أظلمت الدنيا بوجهي،حتى جاءت هي، أخذت بيدي،توطدت العلاقة بيننا، شعرت بالراحة حين فاتحتها في أمر ارتباطنا وإمكاناتي المحدودة طارت فرحا، يسرت لي كل شيء، حفلة الخطبة سيتكفل بها أهلها،الشبكة تكفي دبلتين وستقوم بتغيير كل ما لديها من حليّ ليكون ضمن ما أقدمه في حفلة الخطوبة، سارت الأمور كما أردنا، شعرت بالامتنان لها،لم أشعر بحب جارف كما كنت أشعر تجاه فتاتي الأولى، ولكني تكيفت مع الوضع الجديد،تزوجنا بعد التخرج، هدية والدها عقد عمل بإحدى دول الخليج،فقط عام،لم نحتمل، عدنا والمستقبل معتم أمامنا، لم يتركنا والدها، ساعدنا بالمال، بدأت بمطعم صغير وشقة من حجرة واحدة، توالت الخطوات حتى اشتريت هذا المطعم، لمح ابتسامة سخرية فوق شفتيه، أردف: أعلم أنك رفضت وضعا مماثلا، ظروفك لم تكن كظروفي، صمت برهة: قل لي إلىأين وصلت الآن بعد أن ذقت آلام الغربة؟، كل هذه السنين، هل لديك أولاد،لا..، بل ربما لم تتزوج بعد، وإلا لكانت معك زوجتك الآن، الحياة لا ترحم، قطار العمر لا يتوقف، صمت فجأة وهو يشعر أن ضيفه اختنق من كلماته، أسف لصراحتهالمفرطة، ولكن، أشرتإليه: لا تقل شيئا إنك محق بكل ما قلته، نظرإلى ساعته، هب واقفا:أستميحك عذرًا يجب أن أنصرف، ودعه على وعد بلقاء ليتعرف إلى أسرته،قاد سيارته وهو لا يعرف أين يتجه، ماذا سيفعل؟، قلب مواجعه حديث صاحبه،اتجه إلى منزله صعد الدرج ، عقله ما زال منشغلا بما دار،ارتمى بجسده فوق السرير، عاودته الأفكار، هب واقفا اتجه للمرآة طالع وجهه، بعض الشعيرات البيضاء تسللت إلى رأسه في غفلة منه، تساءل بصوت مسموع، بماذا أبدأ؟، الزواج، أم العمل؟، علت ضحكته، أبدأرائعة تلك الكلمة،البداية لا تكون لمن هو في مثل عمري، انطلق إلى حجرة المكتب التقط ورقة وقلمًا، أخذ يدوّن ويسجل، يعيد ترتيب الأرقام، كلت يداه، مزق الأوراق، لا يستطيع أخذ قرار محدد، الأفضل أن أبدأ بالعمل، ابتسم لكلمة البداية من جديد، ليكن العمل أولا، وسنين العمر،أيكون هناك وقت بعد النجاح للزواج؟، أمسك برأسه يكاد يتصدع من أفكاره المتضاربة، ليترك كل شيء للزمن همس: تلك هي سلبيتك المعهودة، يموت كل شيء مع مرور الوقت،حتى تلتقي بصديق آخر يذكرك بذاتك،إذن فليكن العمل، حسم أمره،في الصباح ومع إشراقة الشمس نهض نشيطا، على غير عادته، اتجه للسيارة، كان سعيدًا بقراره، أخيرًا اتخذ قرارًا، أدار محرك السيارة، أخذ يستمع للأغاني المنبعثة من راديو السيارة في نشوة، حين وصل، قفز من سيارته في حيوية،اتجه صوب المطعم، وجده قابعا بين أوراقه، ألقىالتحية ثم أردف في سعادة: هل لي من وقتك قليلا؟، نفض يديه من الأوراق ونظر إليه باهتمام عاجله بقوله: أود أن تساعدني لقد قررت أن أستثمر أموالي وأعتقد أن افتتاح مطعم ممكن أن يناسبني، نظر إليه في دهشة: ولكن هل درست المشروع؟ رد في ابتسامة:لأجل هذا أتيت إليك، قطب ما بين حاجبيه قليلا ثم قال في تردد: هل توافق علىمشاركتي؟، لدي دراسة لتوسعة المطعم وتحديثه،كان ينقصني المال لتنفيذها، رد في لهفة ولكن سأحتفظ لنفسي بحق الإدارة،أنت تعلم أن لا عمل لي،قاطعه ليس لدي مانع فأنا لدي أعمال أخري وليس لدي وقت لمتابعة المطعم،إنني أحضر فقط للمراجعة وحل ما يطرأ من مشاكل، تراقصت الفرحة في عينيه:إذن اتفقنا،تسارعت الخطوات، سارت الأمور كما كانا يخططان لم تمر سنتين حتى انتهت التوسعة واستقرت الأمور، حين طالع المرآة وجد نفسه أصغر بعشر سنوات، عادت إليه حيويته، تساءل في ابتسام: ألم يحن الوقت؟، هز رأسه: ليس بعد المهم تحقيق أقصى نجاح حتى أتفرغ لأسرتي، إذا تزوجت الآن لن يكون كل وقتي لهم أعجبته الفكرة، أعطى وقته لعمله، صار أكثر خبرة في تسيير الأمور، مضت سنوات ثلاث أخرى، فاتح شريكه برغبته في افتتاح فرع آخر، وافقه علىالفور،اتسعت شهرتهما، لم تمض السنة السابعة حتى أصبح لديه هو وشريكه ثلاث مطاعم أخرىناجحة، كان لا يخرج من نجاح إلا ويدخل في آخر، هذا الصباح كان منشرحًا كعادته، حين وصل إلى مكتبه وجد شريكه بانتظاره متوترًا، سأله في لهفة: ما بك؟، رد في فرح مشوب بالتوتر: ابنتي خطبت،قام إليه مهنئا: وهل هذا يقلقك أم يفرحك؟، رد: لقد حُدد الأسبوع القادم موعدًا لحفلة الخطوبة، علت ضحكته وهو يردد: لقد أزعجتني حين رأيتك ظننت أن مكروها قد حدث، بادره: لا أعرف ماذا أفعل إنها المرة الأولى؟، ربت علي كتفه: كن مطمئنا لا داعي للقلق سأكون معك،مضت ترتيبات حفل الخطوبة كأحسن ما يكون سارت الأمور كما كان يتمني صديقه، في نهاية الحفل شعر بالإرهاق، قام مغادرا،احتضنه صديقه شاكرا لكل ما فعل، مضى في هدوء، حين دلف إلى شقته طالعته صورته في المرآة، كان الشيب قد غزا رأسه بكامله، أطرق إلىالأرض، عاود التطلع لنفسه في المرآة، صدمته ثانيا، حاول النوم لم تطاوعه جفونه، ظل مستيقظا حتى الصباح، ارتدىملابسه،اتجه صوب المطعم،دفع الباب فتح الخزينة بصعوبة أخرج ما بها جلس يحصي، تعب، أسند رأسه للخزينة،كالعادة يغلق الباب، لا يجرؤ أحد علىإزعاجه أو فتح الباب حسب تعليماته الصارمة، في المساء حضر صديقه،اتجه إلىمكتبه، حين فتح الباب ضاحكا، تسمرت قدماه، وجده محملقا في الأموال بلا حراك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























