
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السماء تلامس البحر
احيانا
| ► | فبراير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | ||


تململ في جلسته خلف عجلة القيادة ولهيب الشمس يلفحه عبر النافذة، تلفت يمينا ويسارًا يبحث عن مطعمه المفضل على بعد أمتار وجده كما هو بواجهته الأنيقة وديكوراته البحرية الرائعة،أوقف محرك السيارة، اتجه صوب المدخل، انتقى طاولةمنعزلة، جلس إليها والتقط قائمة الطعام، تفحصها بسرعة فقد كان يعرف بغيته، السمك المشوي والأرز، قلب صفحة الحساء، تسمرت عيناه فوق العبارة،أعاد قراءتها ووخز بصدره يتصاعد، انحدرت دمعة وهو يتذكر رفيق عمره الذي اختطفه الموت منه ومن شبابه، الحساء الحساء،كانت دائما أولى كلماته حين يستوي جالسًا ويبدأ في تفحص قائمة الطعام، قفزت إلى مخيلته الفتاة فارهة الطول التي كان صديقه دومًا يداعبها حين تهم بتسجيل طلباتهم، التفت يمينا ويسارًا فلمحها، تبسمت وهي تتجه صوبه، كلمات الترحيب المضادة أتبعتها بسؤال عن رفيقه وسبب غيابهما لفترة طويلة، اختنقت الكلمات بحلقه، اغرورقت عيناه، تأسفت وهي تغادر معتذرة، وضعت الطعام أمامه، شعر بغصة في حلقه وود لو يغادر، تراجع، الجوع يشتد عليه، ازدرد الطعام في غير تلذذ، هم بالمغادرة، لمحه عن بعد، تبادلا النظرات قبل أن يتجه صوبه مرحبًا، لم تتغير فيه غير تلك الخصلات البيضاء التي ظهرت علي فوديه،جلس إلىالطاولة، تساءل عن أخباره، وما الذي أتى به إلى هذا المطعم، رد في اقتضاب: لقد تعودت الحضور منذ زمن ولكنها الأيام وما تفعله بنا، كلما سنحت لي فرصة خلال الإجازة كنت أحضر ولكن انقطعت منذ فترة، وأنت؟، رد ضاحكا: أنا صاحب هذا المطعم،أشار إليه بالبقاء مستأذنا للحظات، سرح بخياله إلى السنين الخوالي، كيف كان صاحبه هذا؟، كيف كان طموحه وحزنه لمحدودية إمكاناته؟، كيف تشاركا يومًا في مشروع صغير أثناء دراستهما؟، وكيف فشل المشروع وخسرا كل ما لديهما؟،وتلك الفتاة الثرية التي كانت تلاحق صاحبه ربما تزوجها، ربما هي سبب ماهو فيه الآن، قطع تفكيره وصول صاحبه، بصخبه كالعادة، لم يتغير عن أيام شبابه سأله مازحا: أين وصلت؟، حاول كبت تساؤلاته التي ازدحم بها رأسه تبسم في خجل والأسئلة تلح برأسه،أردف صاحبه: ستكون ضيفي اليوم هل لديك مانع؟،حاول الاعتذار، قاطعه: لا فائدة ستبقي معي ولو لوقت الغروب،إنه منظر رائع من كافتيريا المطعم المطلة علي الشاطئ هيا بنا، أريد أن أعرف أخبارك،أين تعمل الآن؟، رد في فتور: لا أعمل لقد عدت بعد سفر وترحال وغربة استمرت عشر سنوات ومضى عام وأنا أبحث عن فرصة أستثمر خلالها أموالي، حين وصلا للجهة الأخرى، عاجله بقوله: هل تذكر تلك الفتاة التي، لم يكمل ضحك بصوت عال نعم إنها الآن زوجتي وأم أولادي، الفتاة التي كنت علىعلاقة بها أيام دراستنا، تزوجت ونحن لانزال بالجامعة، لعنت الظروف التي جعلتني عاجزا عن حماية حبي أظلمت الدنيا بوجهي،حتى جاءت هي، أخذت بيدي،توطدت العلاقة بيننا، شعرت بالراحة حين فاتحتها في أمر ارتباطنا وإمكاناتي المحدودة طارت فرحا، يسرت لي كل شيء، حفلة الخطبة سيتكفل بها أهلها،الشبكة تكفي دبلتين وستقوم بتغيير كل ما لديها من حليّ ليكون ضمن ما أقدمه في حفلة الخطوبة، سارت الأمور كما أردنا، شعرت بالامتنان لها،لم أشعر بحب جارف كما كنت أشعر تجاه فتاتي الأولى، ولكني تكيفت مع الوضع الجديد،تزوجنا بعد التخرج، هدية والدها عقد عمل بإحدى دول الخليج،فقط عام،لم نحتمل، عدنا والمستقبل معتم أمامنا، لم يتركنا والدها، ساعدنا بالمال، بدأت بمطعم صغير وشقة من حجرة واحدة، توالت الخطوات حتى اشتريت هذا المطعم، لمح ابتسامة سخرية فوق شفتيه، أردف: أعلم أنك رفضت وضعا مماثلا، ظروفك لم تكن كظروفي، صمت برهة: قل لي إلىأين وصلت الآن بعد أن ذقت آلام الغربة؟، كل هذه السنين، هل لديك أولاد،لا..، بل ربما لم تتزوج بعد، وإلا لكانت معك زوجتك الآن، الحياة لا ترحم، قطار العمر لا يتوقف، صمت فجأة وهو يشعر أن ضيفه اختنق من كلماته، أسف لصراحتهالمفرطة، ولكن، أشرتإليه: لا تقل شيئا إنك محق بكل ما قلته، نظرإلى ساعته، هب واقفا:أستميحك عذرًا يجب أن أنصرف، ودعه على وعد بلقاء ليتعرف إلى أسرته،قاد سيارته وهو لا يعرف أين يتجه، ماذا سيفعل؟، قلب مواجعه حديث صاحبه،
تثاءبت في دلال وغنج وهي تزيح الغطاء عن جسد مرمري ,,, تاركه ورائها جثه ممده بلا حراك ,,, تبسمت وهي تغمغم التاسع ,,, نظرت إليها في تشفي وابتسامه تعانق دمعه أطلت من عينيها ,,, ارتدت ملابسها ,,, خطت إلي الطريق ,, صافحت عيناها صور الدمار في كافة الأنحاء ,,,, يتجولون حاملين سلاحهم في صفاقة ,,, تبغضهم ,,, تتمني لو تغرز أظافرها في أعناقهم جميعا ,,, تبتسم في مرارة حين يقتربوا ,,, جواز مرورها ,,, جسدها وتلك الأبتسامه التي تشي بالكثير,,, طول مدة مكوثهم في بلادها جعلهم عطشي ,,, تعميهم رغباتهم المحمومة ,,, تضللهم فتنتها وجمالها ,,, لم تتغير كانت ولا زالت فتاة ليل.
عرجت في طريقها علي أحدي الحانات في محاوله لإخفاء وجهتها ,, خرجت بعد قليل قاصده بيت أحد أفراد المقاومة ,, طرقت الباب عدة نقرات قبل أن ينفتح ويظهر أحد جنود الاحتلال بوجهه القبيح ,,, لطمها بقسوة ثم كبلها قبل أن يصطحبها خارجا ,,, لمحت رفيقها مقتولا في أحدي الزوايا قبل أن تغادر,,, بعد تفتيش منزلها والعثور علي جثة رفيقهم مقتولا ,,, ألقيت في حجره مظلمة بعد أن أشبعت ضربا ,,, انهمرت دموعها ألما وحزنا ,,, بقيت ليلتها مستيقظة قلقه لكل حركه خارج سجنها ,, استسلمت لأفكارها ,,,, سرحت بخيالها وهي تستعرض حياتها منذ أن وعت ما حولها واستوت مهرة متمرده علي واقعها ,,, مر شريط حياتها أمام عينيها وكأنه حدث بالأمس فقط ,,
لم تدع يوما أن ظروفها الصعبة دفعتها لهذا الطريق,,, لقد اختارت طريقها بنفسها ,, ربما تمردها المتأصل في تكوينها الأنثوي ,,, جمالها اللافت ,, وتهافت كل شباب بلدتها الصغيرة لإقامة علاقة معه ,, ربما ساعد هذا في تحديد ما تريد ,,, قسوة والدها وشدته جعلاها تلوذ بالفرار,,, حطت رحالها في بغداد ,, ذابت في الزحام لفترة ,,, لكنها سرعان ما أثبتت تميزها ,, وتفردها ,,, ذاعت شهرتها خاصة بين الأجانب المنتشرين في ربوع العاصمة ,,, عاشت حياة مرفهة ,, ترفل في الثراء ,, وتحظي بحماية قويه بعدما توطدت علاقاتها بأركان القوه ,,,
بين عشية وضحاها تبدلت الأمور,,, لم تفهم يوما حرفا مما يقال عن السياسة ,,, ولم تتعب رأسها الصغير في فهم ما يدور أو سبب حرب بلادها ضد جيرانها ,, لكن هذه المرة شعرت بتغير كبير,, رحل كثيرا من أصدقائها ,, وانشغلت الصفوة من أركان الحكم عنها ,,, ظنت أن الأمر آني وستعود الأمور لحالها ,,, تسارعت الأحداث ,, أزداد تجهم الأوجه ,,, وصارت لا تسمع إلا حديث الحرب ,,, الكرامة ,,, الوطنية ,,, حاولت استيعاب الحدث ,,, ذكائها الفطري ساعدها ,,, شعرت بأن الوطن مهددا من قوي أكبر وأظلم,
أيقظتها أصوات المدافع عند الفجر بدت مدينتها وقد تحول ليلها إلي نهار من لهيب يتس
وقف ساهما وهواء البحر البارد يداعب ملابسه,,قطرات المياه المتناثرة من ارتطام الموج بصخور الكورنيش ,, تطال وجهه ,, طفرت دمعه ساخنة من عينيه ,, شقت طريقها عبر وجنتيه وسقطت ,,, عندما رفع وجهه للسماء ,, تساءل في حيره إلي متي ,,, زفر آهة ,,, وصدي سؤاله مازال يتردد في جنبات الفضاء ,,
حتى أمس كان سعيدا بملابسه البسيطة ,, حذائه الذي لم يفكر في تغييره قرابة العام ,, هيئته الرثة لم تكن تعني له الكثير ,, كان يؤمن بما يقول ويردد المهم الجوهر,, هو الأفضل دوما ,, خلال الثلاث سنوات المنصرمة ,,, محبوب ,, له الكثير من الأصدقاء ,, يفتخرون بوجوده بينهم ,, انتخبوه أخيرا لرئاسة احدي جمعيات النشاط بالكلية ,, ليته ما وافق.
في أول اجتماع إلتقاها ,, جميله ,, هادئة ,,, بسيطة رغم ما يبدو عليها من علامات الثراء ,,, بعد انتهاء الاجتماع ,, وكزه زميله وجاره في الاجتماع ثم غمز بعينه وهو يشير إليها ,,, لم يفهم ,, بعد يومين إلتقاها ,, نظراتها كلها إكبار واحترام ,, حياها مبتسما ومضي في طريقه ,,, سأله صديقه بعد أسبوع ,,, الأخبار إيه ؟ ,, لم يفهم ما يعني,, أعاد السؤال البرنسيسه ,, ازدادت حيرته وطغت علامات الاستفهام علي وجهه,,, ضحك صديقه وهو يحثه علي الحديث ,,,, اخبارك مع بنت المليونير ,, تلعثم ,, تقصد؟؟ ,,, رد صديقه في سخريه نعم اقصد ,, ألا تعرف أنها بنت صاحب اكبر مصانع الحلويات في البلد …؟ فغر فاه في ذهول ,, تركه صاحبه بعد أن ضاق من صمته ,,,
أذهلته المفاجئة لكنها أحزنته ,, هكذا لا أمل حتى في الاقتراب منها ,, مرت الأيام وهي علي حالها تقابله بابتسامه ,, يحترق خجلا أمام نظراتها وهو يراها تهبط من سيارتها في باحة الكلية ,, أثوابها لم ير أيا منها عليها لمرتين متتاليتين ,,, اتجهت اليوم صوبه ,, حدثته بلهجة جديه ,, طلبت منه اصطحابها للقاء احد الكتاب الذي سيكون ضيفا بإحدى الندوات التي يقيمها احد الفنادق الكبرى ,, لقد أخذت منه موعدا لعقد ندوة
كنت قد جاوزت الثلاثين بقليل ,,, وكأكثر أبناء جيلي لم تتح لي فرصة الزواج لضيق ذات اليد ,, كنا رفقة نتكاتف علي مرارة واقعنا بالسمر والسهر ,,, نتجمع يوميا وننطلق لتجاذب أطراف الحديث علي حدود قريتنا في فضاء واسع يشعرنا بالحرية ولو قليلا ,,, ويطلق لضحكاتنا وسخريتنا العنان ,,, فنفرغ همومنا وألمنا يوميا في تلك الجلسات التي نناقش فيها كل ما سمعناه ورأيناه ,,, عند عودتنا كنا نستشعر أننا قد ألقينا عن كاهلنا كل ما أحضرناه من هموم ,,, لكن مع تكرار الحديث ورؤية نفس الوجوه يوميا أصبنا بالملل وشعرنا بأن طوق الألم قد استحكم في رقابنا ,, فأصبحنا لا نتقابل سوي مره كل عدة أيام وفي ليله من ليال الصيف المضجرة في قريتنا النائية ,,, كنا مجتمعين أنا والصحبة من أقراني في طرف البلدة نتسامر,,, حين هبط علينا ,,, سمعنا صخبا وعراكا مختلطا بخشخشة أصوات متداخلة ,,, قمت استطلع الأمر فوجدته أمامي بأسماله وملابسه عجيبة الألوان ومسابحه الملتفة حول العنق ,, يمسك بيده عصا غليظة يتكئ عليها ,, رفعها في وجهي فورا أن رآني ,,, وسرعان ما خفضها حين لاحت ابتسامة علي وجهي ,,, وانفرجت شفتاه عن ضحكه مجلجلة ,,, وأخذت الأحرف تتطاير من بين ضحكاته وهو يلتفت وراءه فلمحت امرأة تحمل طفل وبيدها أخر تشاركه الضحك وهي تحاول تغطية وجهها بطرف ثوبها ,,, استمرا في الضحك وهما يترنحون إلي الأرض خاصة بعدما أتي أصحابي ,,, وتعلقت أعينهم المحملقة بدهشة بهذين الغريبين وأولادهم .
مرت أيام وهو يأوي إلي خيمة كان فد شيدها عند وصوله قرب ساحة القرية ,,, قوته اليومي يحمله إليه أطفال القرية الذين ألفوه وتوثقت عري الحب بينه وبينهم ,, حكاياته الغريبة وضحكته الطفولية العذبة ,,, مداعباته كلها أشياء جعلتهم يتحلقون حوله يوميا يغنون أغنياته التي يحفظها ويرددها ويقلدون حركاته ونظرات عينيه ,,, يحضرون إليه ما لذ وطاب يلتهمه في نهم ويدفع إلي زوجته وطفليه بالباقي ,, زوجته لا تظهر خارج الخيمة كثيرا لكن صوتها الجهوري وسبابها المستمر له ,,, ولعن اليوم الذي قابلته فيه ينبئهم دوما عن وجودها ,,, كنا نمر بخيمته في ذهابنا وإيابنا نجده محملقا في السماء أو منشغلا بالتهام طعامه ,,, حركته قليلة جدا إن لم تكن معدومة ,,, لم نره إلا جالسا مسندا ظهره إلي شجرة ربط فيها طرف خيمته ,,, يرمقنا بنظره شاردة مبتسما ,,, أحيانا يشير لنا بيده ,,, نعبره إلي وجهتنا والأسئلة تتزاحم برؤوسنا عن سر هذا الرجل الذي هبط علي قريتنا كسكان الفضاء ,,, لا نعرف عنه شيئا ولا عن سبب اختياره لقريتنا ,, لكن دوما كان كل منا يتظاهر بأن الأمر لا يعينه ولا يصرح بأسئلته ,, إلي أن ضاق صدري بتساؤلاتي في ليله هادئة ونحن عائدون ,,, حين لمحته جالسا في هدوء محملقا في القمر,, أسرعت الخطي نحوه ,,, نظرت إليه وأنا القي التحية فتبسم وهو يشير إلي أن أجلس قبالته ,, وبيده الأخرى إلي أذنه كي أنصت ,,, تملكتني الدهشة ,,, لم أسمع شيئا ,,, ظل يهز رأسه في انسجام غريب ,, جلس الباقون قريبا في صمت ,,, همس هل سمعت صوت القمر يوما ,,, أنصت, أنصت جيدا ,, أذن حاول أن تسمعه الآن ,,, أنصت ,, حين صك سمعي الصمت أيقنت أن الرجل به جنه ,,, أو مس من الجن ,,, هممت بالانصراف ,, أبتسم وهو يصيح أتظنني مجنون ,,, لم استطع كتم ضحكتي ,,, أتسع فمه عن ابتسامه عريضة ,, وعلا صوت ضحكته فجلجل صوتنا جميعا في فضاء الساحة بالضحك ,,, ساد صمت بعد برهة قبل أن يهمس تحدث قل ما عندك ,, أطرقت إلي الأرض فقال سأوفر عليك الحرج ,,, أنا يا بني كما تري لا أملك شيئا ,, ولا أتقن عمل شيئا بالأحرى ,, فشلت في كل ما حاولت ,, فهمت علي وجهي بعد وفاة والدي ,, لم أري أمي ,,, جلدتني الحياة بقسوة وها أنا ذا ,,, أغتصبها ,,, أستبيحها ,,,, واستمتع كما يحلو لي ,, لا كما تريد هي ,,, رفع عمامته أشار إلي شعره الأبيض أتري هذا الشيب يا ولدي ,, انه نتاج الحياة الطويلة التي عركتني وعركتها ,,, لست سفيها أو مجنونا ,, لكنني أعيش حياتي ببساطه ,,, فلما اعقد الأمور وأنا قادر أن أحيا دون تعقيداتكم ,,, رفع غطاء كان بجواره وهو يتمتم والآن عليكم الرحيل فقد حضر سلطان النوم ,, ومال بجسده فاردا الغطاء ثم أردف ناظرا إلي أعرف أن لديك أسئلة كثيرة ,,, عد متي شئت ,, وراح في سبات ,,,,
بقيت طوال الليل أفكر في حديثه ,,, وقد شعرت برغبة عارمة أن ألتقية ,, أن أتحدث إليه ,, واثبر أغوار نفسه الغريبة والعجيبة ,,, في الصباح وأنا في طريقي للعمل مررت بخيمته وجدته جالسا يأكل ,, دعاني إلي الطعام,, اعتذرت وأنا أرد سلامه في عجله ,, بقيت يومي منشغلا به ومقلبا للأفكار برأسي ,, بعد عودتي أخذت قسطا من الراحة ,, وقد وطدت العزم أن أجالسه وحدي ,, اعتذرت لرفاقي عن مرافقاتهم ,, توجهت إلي خيمته حاملا معي رغبتي المحمومة في الاقتراب أكثر من عالمه ,,, تبسم حين رآني قادما ورفع عصاه صائحا في الأطفال المتحلقين حوله أن يرحلوا ,,, وليعودوا محملين بالأطايب التي تجود بها أمهاتهم ,,, جلست بقربه ,,, بدا سعيدا لمجيئي,, صاح شاي للأستاذ يا بت ,,, فجاءه الرد سيلا من الشتائم والصياح ,,, سبق خروجها الغاضب ,,, ما أن رأتني حتى غطت وجهها بطرف ثوبها وهي تكمل صياحها ,,, ثم اعتذرت لي وهي تكمل ,, أصل البعيد عامل فيها عمده ,, طيب يقوم يشوف شغله ,,, أو يكد زى كل الرجالة ,, وألا طول عمرنا هنفضل كدا شحاتين ,,, ثم ختمت حديثها لا مؤخذه يا أستاذ أعملك الشاي حالا ,,,
نظر إلي سعيدا وهو يتمتم أرأيت نساء مثل زوجتي في حياتك ,,,,, كتمت ضحكتي وأنا أهز رأسي نافيا
في البدء كان عطرها .. ظللت أتعجب يوميا وأنا أشتم هذا العطر المفعم كلما مررت بباب شقتها .. لم يمض سوي أسبوع علي سكنها بالبناية… في طريقي لشقتي التي تعلو شقتها يستوقفني نفس العبير كل يوم … لم يكن عطرا عاديا .. بل عطرا أنثويا أخاذ يستوقفك … يعابثك .. يهدهد مشاعرك .. يسثيرك..
فكرت أن أري صاحبة هذا العطر.. تراجعت .. ظهرت لي الفكرة صبيانية.. اكتفيت بالوقوف لحظات كلما مررت بباب شقتها.. استولت علي تفكيري… تخيلتها من خلال عطرها.. ناهده. العشرينات.. ناهده .. ذات حسن.. بل هي أجمل الجميلات.. تشع دفء .. تنبض حيوية .. عايشتها بقلبي وعقلي .. عقدت العزم علي رؤيتها .. الحديث معها .. ماذا سأقول لها .. لا أدري .. ربما فقط سأبدي لها إعجابي بذوقها في اختيار العطر .. أو ربما فقط ألقيت التحية .. مكثت شهرا أحاول تغيير مواعيد حضوري .. لم أصادفها .. مررت بشقتها في كل وقت .. عاودت الصعود والنزول مرات .. بقي الباب موصدا… سئمت الانتظار زاد شوقي ولهفتي لرؤيتها .. أصبحت شغلي الشاغل..
مرت أسابيع تملكني الشوق أكثر تعجبت من حالي .. كيف استولت علي تفكيري بعطرها أنني حتى لم أراها.. حاولت صرف تفكيري.. تشاغلت بعملي.. لم تفلح حيلتي .. ظللت علي عادتي .. أتوقف برهة كلما قاربت بابها .. أتلفت يمينا ويسارا ..









